غوفمان والاستعارة المسرحية
صاغ عالم الاجتماع الأمريكي الكندي المولد إرفنغ غوفمان التحليل الدرامي في «تقديم الذات في الحياة اليومية» (1959)، مستفيدًا أيضًا من «الخماسية الدرامية» لمنظّر الأدب كينيث بيرك (1945) التي تحلل الفعل الإنساني بالفعل والمشهد والفاعل والوسيلة والغاية. وعامل غوفمان التفاعل الاجتماعي أداءً، فالناس بوصفهم «ممثلين» يعرّفون المواقف ويحاولون نقل انطباع مرغوب عن أنفسهم إلى جمهور، وتُسمى هذه العملية «إدارة الانطباع». وتدعم الأداءَ «واجهةٌ» من المظهر والسلوك والملبس والأدوات والمكان، فمعطف الطبيب الأبيض أو ديكور المطعم من معدات الخشبة. وتبيّن المقاربة، انطلاقًا من تقليد التفاعلية الرمزية، كيف يُصنع المعنى في التفاعل.
الواجهة والكواليس والفرق وماء الوجه
ميّز غوفمان «المنطقة الأمامية» من «الكواليس». ففي صالة المطعم يؤدي النادل دوره بأدب وهدوء، لكنه في المطبخ، أي الكواليس، قد يسخر من الزبائن ويسترخي. والكواليس موضع تحضير الأداء وإخفاء تناقضاته. ويعمد الناس إلى «إضفاء المثالية» على أدائهم ليوافق المعايير الاجتماعية، ويشكّلون «فرقًا» تؤدي معًا لتجنب الأخطاء وتسرب المعلومات، كحفاظ موظفي متجر على سلوك متسق أمام الزبائن. ويمارس الجمهور بدوره «اللباقة» بالتغاضي حتى لا ينهار العرض. وحلل غوفمان في «طقوس التفاعل» (1967) «عمل ماء الوجه» الذي يصون به الناس وجوه بعضهم، وفي «المصحّات» (1961) كيف تجرّد المؤسسات الشاملة كمستشفيات الأمراض العقلية الذات، وفي «الوصمة» (1963) استراتيجيات إدارة الهوية المعيبة، وهو أساس مهم لـنظرية الوصم. وتناول «تحليل الأطر» (1974) الأطر التي يفسر بها الناس المواقف فغذّى أبحاث التأطير.
التطبيقات والانتقادات
حللت آرلي هوكشيلد (1983) في دراستها لمضيفات الطيران «العمل العاطفي» الذي تطلب فيه الشركات من الموظفين إظهار مشاعر معينة، مميزةً «التمثيل السطحي» من «التمثيل العميق» الذي يحاول تغيير المشاعر الحقيقية. وفي علم النفس نظّم ليري وكوالسكي (1990) إدارة الانطباع في مكوّني الدافع والبناء. ورأى جوشوا ميروفيتز (1985) أن الوسائط الإلكترونية تطمس الحد بين الواجهة والكواليس، وحلل هوغان (2010) ومارويك وبويد (2011) «انهيار السياق» و«الجمهور المتخيَّل» حين تختلط جماهير مختلفة في وسائل التواصل الاجتماعي. وثمة انتقادات أيضًا، فقد رأى ألفين غولدنر (1970) أن المقاربة تتجاهل بنى السلطة والمؤسسات وتكتفي بوصف استراتيجيات الطبقة الوسطى في إدارة المظاهر، ويلاحظ آخرون أن عدّ كل سلوك أداءً محسوبًا يصعّب تفسير الأصالة والأخلاق. وقد أكد غوفمان نفسه أن المسرح استعارة فحسب لا قول بأن «العالم كله مسرح». وتُستكمل هذه الحدود أحيانًا بنظريات تربط البنية بالممارسة مثل نظرية التشكيل البنيوي والهابيتوس.
الأسئلة الشائعة
- ما الواجهة والكواليس في التحليل الدرامي؟
- الواجهة حيث يؤدي الناس الأدوار المتوقعة أمام جمهور، والكواليس حيث يسترخون بعيدًا عن الأنظار ويحضّرون أداءهم ويخفون تناقضاته.
- هل يعني التحليل الدرامي أن الجميع يعيشون كذبة؟
- لا، فالأداء عملية عادية تجعل التفاعل الاجتماعي ممكنًا، والصدق والأداء ليسا متعارضين بالضرورة، وقد أكد غوفمان أن المسرح استعارة تحليلية.
تاريخ مراجعة المصادر: 2026-10-26
المراجع
- Goffman, E. (1959). The Presentation of Self in Everyday Life. Garden City, NY: Doubleday Anchor.
- Goffman, E. (1961). Asylums: Essays on the Social Situation of Mental Patients and Other Inmates. Garden City, NY: Anchor Books.
- Goffman, E. (1963). Stigma: Notes on the Management of Spoiled Identity. Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall.
- Goffman, E. (1967). Interaction Ritual: Essays on Face-to-Face Behavior. Garden City, NY: Anchor Books.
- Goffman, E. (1974). Frame Analysis: An Essay on the Organization of Experience. New York: Harper & Row.
- Burke, K. (1945). A Grammar of Motives. New York: Prentice-Hall.
- Hochschild, A. R. (1983). The Managed Heart: Commercialization of Human Feeling. Berkeley: University of California Press.
- Meyrowitz, J. (1985). No Sense of Place: The Impact of Electronic Media on Social Behavior. New York: Oxford University Press.
- Leary, M. R., & Kowalski, R. M. (1990). Impression management: A literature review and two-component model. Psychological Bulletin, 107(1), 34–47.
- Hogan, B. (2010). The presentation of self in the age of social media: Distinguishing performances and exhibitions online. Bulletin of Science, Technology & Society, 30(6), 377–386.
- Marwick, A. E., & boyd, d. (2011). I tweet honestly, I tweet passionately: Twitter users, context collapse, and the imagined audience. New Media & Society, 13(1), 114–133.
- Brissett, D., & Edgley, C. (Eds.). (1990). Life as Theater: A Dramaturgical Sourcebook (2nd ed.). New York: Aldine de Gruyter.
- Gouldner, A. W. (1970). The Coming Crisis of Western Sociology. New York: Basic Books.
