نظرة عامة
ينشأ الاحتكار الطبيعي لا من القانون أو التواطؤ بل من بنية التكاليف في الصناعة. فقد استخدم جون ستيوارت مل في «مبادئ الاقتصاد السياسي» (1848) شركات الغاز والمياه في لندن ليبيّن أن مدّ عدّة شبكات من الأنابيب في الشارع نفسه هدر. والحالات النموذجية صناعات تحتاج إلى شبكة مادّية: نقل الكهرباء وتوزيعها، وإمدادات المياه، وأنابيب الغاز، وخطوط السكك الحديدية. ويختلف عن احتكار القلّة في أن البنية الكفؤة نفسها هي وجود منتج واحد.
التعريف: وفورات الحجم والجمعية
رُبط الاحتكار الطبيعي تقليديًا بـوفورات الحجم، أي انخفاض متوسّط التكلفة على امتداد نطاق الطلب في السوق كلّه. وقدّم ويليام بومول (1977) اختبارًا أدقّ هو جمعية دالّة التكلفة (subadditivity): تكون الصناعة احتكارًا طبيعيًا إذا أمكن إنتاج أيّ كمّية بتكلفة أقلّ بشركة واحدة منها بأيّ توليفة من عدّة شركات. وبيّن أن وفورات الحجم في الصناعات متعدّدة المنتجات ليست شرطًا ضروريًا ولا كافيًا للاحتكار الطبيعي. ثمّ طوّر بومول وبانزار وويليغ (1982) نظرية الأسواق القابلة للمنافسة التي تبحث متى يكفي تهديد الدخول لضبط سلوك المحتكر.
الأسباب
- تكاليف ثابتة وغارقة كبيرة: تتطلّب محطّات الكهرباء والشبكات وأنابيب المياه الرئيسة استثمارات أوّلية ضخمة لا يسهل إعادة توظيفها.
- انخفاض التكلفة الحدّية: متى وُجدت الشبكة صار توفير وحدة إضافية رخيصًا، فينخفض متوسّط التكلفة بزيادة الإنتاج.
- آثار الشبكة: حين تزداد قيمة الخدمة بازدياد المستخدمين المتّصلين، يمكن لـآثار الشبكة أن تعزّز موقع مورّد واحد.
خيارات تنظيم الأسعار
- التسعير بالتكلفة الحدّية: يحقّق تساوي السعر والتكلفة الحدّية الكفاءة التخصيصية، لكن حيث ينخفض متوسّط التكلفة تكون التكلفة الحدّية دونه، فتتكبّد الشركة خسارة يجب تغطيتها بدعم.
- التسعير بالتكلفة المتوسّطة: يساوي السعر متوسّط التكلفة فلا تجني الشركة إلا ربحًا عاديًا؛ فلا خسارة، لكن الإنتاج دون المستوى الكفؤ.
- التعرفة ذات الجزأين: رسم ثابت يسترد التكاليف الثابتة، ورسم استخدام قريب من التكلفة الحدّية، كما في كثير من تعرفات الكهرباء والغاز (انظر التمييز السعري).
- تنظيم معدّل العائد: يُسمح للشركة بعائد ثابت على رأس المال المستثمر. وبيّن أفيرتش وجونسون (1962) أن ذلك يشجّع الإفراط في الاستثمار الرأسمالي، وهو أثر أفيرتش-جونسون.
- سقوف الأسعار: لا يُسمح برفع الأسعار إلا بمعدّل التضخّم مطروحًا منه عامل إنتاجية (X)، وهي صيغة اقترحها ليتلتشايلد (1983) لتنظيم الاتصالات البريطانية، فتُمنح الشركة حافزًا لخفض التكاليف.
- الملكية العامّة: تملك الدولة الشبكة وتديرها، كما في شبكة الكهرباء الكورية التي تشغّلها شركة كيبكو.
الانتقادات والجدل
رأى هارولد ديمسيتز في «لماذا نُنظّم المرافق؟» (1968) أنه حتى مع وفورات الحجم يمكن للمنافسة على الامتياز بالمزايدة أن تمنع التسعير الاحتكاري، فلا يكون التنظيم مسوّغًا تلقائيًا. وشدّد ريتشارد بوزنر (1969) أيضًا على تكاليف التنظيم وعدم كفاءته، وهو ما تبحثه نظريات التنظيم الحكومي بما فيها نظرية الاستحواذ التنظيمي. ومع ذلك، فبدون أيّ ضبط سيرفع المحتكر الأسعار ويقيّد الإنتاج، فتنشأ خسائر في الرفاه. وتُبقي دول كثيرة اليوم الشبكة وحدها احتكارًا منظَّمًا، بينما تفتح التوليد أو التوريد أو تشغيل القطارات للمنافسة، على نحو يتّصل بنقاش السلع العامّة والإدارة العامّة الجديدة.
تاريخ مراجعة المصادر: 2026-10-26
انظر أيضًا
المراجع
- Mill, J. S. (1848). Principles of Political Economy. London: John W. Parker.
- Averch, H., & Johnson, L. L. (1962). Behavior of the firm under regulatory constraint. American Economic Review, 52(5), 1052–1069.
- Demsetz, H. (1968). Why regulate utilities? Journal of Law and Economics, 11(1), 55–65.
- Posner, R. A. (1969). Natural monopoly and its regulation. Stanford Law Review, 21(3), 548–643.
- Baumol, W. J. (1977). On the proper cost tests for natural monopoly in a multiproduct industry. American Economic Review, 67(5), 809–822.
- Sharkey, W. W. (1982). The Theory of Natural Monopoly. Cambridge: Cambridge University Press.
- Baumol, W. J., Panzar, J. C., & Willig, R. D. (1982). Contestable Markets and the Theory of Industry Structure. Harcourt Brace Jovanovich.
- Littlechild, S. C. (1983). Regulation of British Telecommunications' Profitability. Department of Industry.
- Joskow, P. L. (2007). Regulation of natural monopoly. In A. M. Polinsky & S. Shavell (Eds.), Handbook of Law and Economics (Vol. 2, pp. 1227-1348). Elsevier.
- Stigler, G. J. (1971). The theory of economic regulation. Bell Journal of Economics and Management Science, 2(1), 3-21.
